محمد بن جرير الطبري
52
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لما فتحا يسيرا ، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل . وقال آخرون بنحو هذا المعنى ، غير أنهم قالوا : لم يصبر القوم ، ولم يتقوا ، ولم يمدوا بشيء في أحد . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : ثني عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، سمعه يقول : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا قال : يوم بدر قال : فلم يصبروا ولم يتقوا ، فلم يمدوا يوم أحد ، ولو مدوا لم يهزموا يومئذ . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت عكرمة يقول : لم يمدوا يوم أحد ولا بملك واحد أو قال : إلا بملك واحد ، أبو جعفر يشك . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : سمعت عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قوله : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ إلى : بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ كان هذا موعدا من الله يوم أحد ، عرضه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، ففر المسلمون يوم أحد ، وولوا مدبرين ، فلم يمدهم الله . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا الآية كلها قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم ينظرون المشركين : يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ، وإنما أمدكم يوم بدر بألف ؟ " قال : فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا ، قال : بشرط أن يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم . . . الآية كلها . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال للمؤمنين : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ فوعدهم الله بثلاثة آلاف من الملائكة مددا لهم ، ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف ، خمسة آلاف إن صبروا لأعدائهم ، واتقوا الله . ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة آلاف ، ولا بالخمسة آلاف ، ولا على أنهم لم يمدوا بهم . وقد يجوز أن يكون الله عز وجل أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم . وقد يجوز أن يكون لم يمدهم على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك ، ولا خبر عندنا صح من الوجه الذي يثبت أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف . وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله ، غير أن في القرآن دلالة على أنهم قد أمدوا يوم بدر بألف من الملائكة وذلك قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ فأما في يوم أحد ، فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا ، وذلك أنهم لو أمدوا لم يهزموا وينال منهم ما نيل منهم . فالصواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره . وقد بينا معنى الإمداد فيما مضى ، والمدد ومعنى الصبر والتقوى . وأما قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا فإن أهل التأويل اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : معنى قوله : مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من وجههم هذا . ذكر من قال ذلك : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان بن غياث ، عن عكرمة ، قال : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا قال : من وجههم هذا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يقول : من وجههم هذا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا محمد بن سنان ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن في قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من وجههم هذا . حدثت عن عمار بن الحسن ، عن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يقول : من وجههم هذا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ